السيد محمد تقي المدرسي

461

من هدى القرآن

وشجرا . أليس يهدينا هذا النظام إلى وحدة التدبير وحكمة المدبر ؟ ! أفلا نؤمن بقدرته على أن يعيدنا للحساب ؟ وهل من المعقول أن يترك ربنا الحكيم خلقه سدى ؟ . [ 17 ] لا نجد في أي بقعة من أطراف الخليقة ثغرة أو تفاوتا إلا فيما يتصل بهذا الإنسان الذي سلَّطه الله على الطبيعة ، وأكرمه بالعقل والحرية ، فقد أخذ يعيث في الأرض فسادا ، فهل يعقل أن يكون ذلك من عجز ؟ وهل يُعجِز رب السماوات والأرض شيء ؟ أم سوء تدبير ؟ ولا نجد في تدبيره شينا أو نقصا . أم ماذا ؟ يهدينا التفكر في كل ذلك إلى أن هذا الإنسان الذي هو محور حكمة الخلق وهدف سائر ما في العالم لم يكن ليُخلَق بلا حكمة ، فما هي حكمة خلقه ؟ فإذا لم نجد ذلك في الدنيا نهتدي ( بنور العقل ) إلى أنها تتحقق في يوم الفصل « إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً » عندما يلتقي الإنسان بجزائه ، ويجتمع الأولون بالآخرين ، وتُنصب موازين القسط ، ويُحاكَم الظلمة والمجرمون ، ويقوم الأشهاد بالحق ، عندئذ تتجلى حكمة خلقه . في ذلك اليوم يتزيل المؤمنون عن المجرمين ، وتتميز الأعمال الخالصة لله عن أفعال الرياء والنفاق ، وتنفصم عرى الأرحام ووشائج الصداقات والولاءات ، ولا تنفع شفاعة الأحبة والأولياء . [ 18 ] ويتقاطر الناس على صحراء المحشر زمرا ، كل وفد يقودهم إمامهم الذي اتبعوه في الدنيا . « يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ » تلك النفخة الثانية التي يُحيي بها الله العباد جميعا « فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً » كل فوج يأتون تحت راية إمامهم . وفي الحديث عن البراء بن عازب قال : كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ جَالِساً قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مُعَاذٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : « يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً » الْآيَاتِ فَقَالَ : يَا مُعَاذُ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ الْأَمْرِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ : تُحْشَرُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أُمَّتِي أَشْتَاتاً قَدْ مَيَّزَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَدَّلَ صُوَرَهُمْ ، فَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِير ، وَبَعْضُهُمْ مُنَكَّسُونَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ فَوْقُ وَوُجُوهُهُمْ مِنْ تَحْتُ ثُمَّ يُسْحَبُونَ عَلَيْهَا ، وَبَعْضُهُمْ عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ ، وَبَعْضُهُمْ بُكْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ، وَبَعْضُهُمْ يَمْضَغُونَ أَلْسِنَتَهُمْ يَسِيلُ الْقَيْحُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لُعَاباً يَتَقَذَّرُهُمْ أَهْلُ الْجَمْعِ ، وَبَعْضُهُمْ مُقَطَّعَةٌ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ، وَبَعْضُهُمْ مُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ ، وَبَعْضُهُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ ، وَبَعْضُهُمْ يَلْبَسُونَ جِبَاباً سَابِغَةً مِنْ قَطِرَانٍ لَازِقَةٍ بِجُلُودِهِمْ ، فَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ فَالْقَتَّاتُ مِنَ النَّاس ، ( أي النمامون ) وَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِيرِ فَأَهْلُ السُّحْتِ ، وَأَمَّا الْمُنَكَّسُونَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَأَكَلَةُ الرِّبَا ، وَالْعُمْيُ الْجَائِرُونَ فِي الْحُكْمِ ، وَالصُّمُّ الْبُكْمُ الْمُعْجَبُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ، وَالَّذِينَ يَمْضَغُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَالْعُلَمَاءُ وَالْقُضَاةُ الَّذِينَ خَالَفَتْ أَعْمَالُهُمْ أَقْوَالَهُمْ ، وَالْمُقَطَّعَةُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْجِيرَانَ ، وَالْمُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ فَالسُّعَاةُ بِالنَّاسِ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَالَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ فَالَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّهَوَاتِ